الخطيب الشربيني
729
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
عارض ممطرنا فاحذروا أيها العرب مثل ذلك إن لم ترجعوا » « 1 » . فإن قيل قال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ الأنفال : 33 ] فكيف يحصل التخويف أجيب بأنّ ذلك كان قبل نزول الآية . ثم أخبر الله تعالى عن مكنة عاد بقوله سبحانه : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ أي : تمكينا تظهر به عظمتنا فِيما أي : في الذي إِنْ نافية أي : ما مَكَّنَّاكُمْ يا أهل مكة فِيهِ من قوّة الأبدان ، وطول الأعمار ، وكثرة الأموال ، وغيرها . ثم إنّهم مع ذلك ما نجوا من عذاب الله تعالى . فكيف يكون حالكم ؟ . تنبيه : قال البقاعي : وجعل النافي إن ؛ لأنها أبلغ من ما لأن ما تنفى تمام الفوت ، لتركبها من الميم والألف التي حقيقة إدراكها فوت تمام الإدراك . وإن تنفي أدنى مظاهر مدخولها ، فكيف بما وراء من تمامه ؟ لأنّ الهمزة أوّل مظهر لفوت الألف ، والنون لمطلق الإظهار . هذا إلى ما في ذلك من عذوبة اللفظ ، وصونه عن ثقل التكرار ، إلى غير ذلك من بديع الأسرار ا . ه . وقال الزمخشريّ : إن نافية أي : فيما ما مكناكم فيه إلا أن إن أحسن في اللفظ ، لما في مجامعة ما بمثلها من التكرار المستبشع ، ومثله مجتنب . ألا ترى أنّ الأصل في مهما : ماما فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء ولقد أغث أبو الطيب في قوله « 2 » : لعمرك ما ما بان منك لضارب وما ضرّه لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال : لعمرك ما إن بان منك لضارب . وقد جعلت إن صلة مثلها فيما أنشده الأخفش رحمه الله تعالى « 3 » : يرجّي المرء ما إن لا يراه * وتعرض دون أدناه الخطوب وتؤوّل بأنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه والوجه هو الأوّل وَجَعَلْنا لَهُمْ أي على ما اقتضته عظمتنا سَمْعاً وأفرده لقلة التفاوت فيه وَأَبْصاراً وجمعه لكثرة التفاوت في أنوار الأبصار ، وكذا في قوله تعالى : وَأَفْئِدَةً أي : فتحنا عليهم أبواب النعم ، وأعطيناهم سمعا فما استعملوه في سماع الدلائل . وأعطيناهم أبصارا فما استعملوها في دلائل ملكوت السماوات والأرض وأعطيناهم أفئدة ، أي : قلوبا فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى ، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها . فلا جرم قال تعالى : فَما أَغْنى عَنْهُمْ في حال إرسالنا إليهم
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الاستسقاء حديث 899 ، والترمذي في الدعوات حديث 3449 ، وابن ماجة في الدعاء حديث 3891 . ( 2 ) يروى البيت بتمامه بلفظ : يرى أن ما بان منك لضارب * بأقتل مما بان منك لعائب والبيت من الطويل ، وهو للمتنبي في ديوانه 1 / 270 ( طبعة دار الكتب العلمية ) . ( 3 ) البيت من الوافر ، وهو لجابر بن رألان الطائي أو لإياس بن الأرت في الخزانة 8 / 440 ، 443 ، وشرح شواهد المغني ص 85 ، ولجابر في شرح التصريح 2 / 230 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 188 ، والجنى الداني ص 210 ، والدرر 2 / 110 ، ومغني اللبيب ص 25 ، وهمع الهوامع 1 / 125 ، ويروى عجز البيت بلفظ : وتعرض دون أبعده الخطوب